Translate

الخميس، 28 ديسمبر 2017

سلاسل ذكرى للأستاذ الشاعر إدريس زايدي


.......
على سرها رعشة ،
وعلى جهرها الدمع يسري،
ويهمس لي :
سأنام ،
هذه الأرض لي .
فيا فدح الرؤيا
ويا سرها ...!!!
...
نامت تغازل وجهي ،
كلما اشتكيت من مراياها،
ردته خلفها ،
وبكت...
هل كان الليل يحفظ سرها
أم سرى في جَلَدِي...!
...
تقول لي الأرض
لا تنم قبل الأوان
لنا الموت
لنا السؤال
فمن أتعب أولك ،
من قاد آخرك ...؟؟؟
أخطأ الجابي في رسائل البريد
لما عرفت أنها
ليست سواها
فسبح كل ما حولها
سبحان من سواها ...!
وما رأيت إذ رأيت
كان كتابا في سراب،
وبعض غبار في يدي ...
...
وهذي يدي
أي ضفة في الصدر كانت
شهيدة حرب ،
رصاصتين وجريح .
لم أستسلم لواديها الكسيح
فمت مرتين ،
ولم أسأل عن خمرة جنيتها
من فوهة بلدي .
...
نم الآن، قالت الأرض
لك المغارة والمحار،
فنمت ألامس وجه الجدار ،
وعبارات من لعبة الصغار ،
ولم أعد في الموت بشرى،
فحملت يدي رسما تجلى ،
هذا الحلم يا ولدي جاءك يترى
وفي سر العابرين إلى الأرض،
أمسى سلاسل ذكرى .

من قصيدة : قالوا تمهل...الأستاذ الشاعر محمد شنوف


(^)
إني ممزق أحشاء و بي وجع
أرتق الحلم في نكث على غزل
(^)
قلبي كطفل و قد ماتت رغائبه
بعد الفطام و كم في الدهر من حِوَل
(^)
أخشى الخريف على عمري و كنت به
على ربيع من اﻷلطاف و الحلل
(^)
يا شعر خذني عفيفا نحو منتجع
خال من النصب و التكسير و العلل
(^)
فيك انطوى سر هذا القلب فيك سعى
يروي صداه أيا محراب مختبلي
(^)
فيك اكتوى من لظى عشق كلفت به
فصرت أرقص كالمذبوح في جملي
(^)
بك المنابر كم تهتز لي صدعا
تحفني الغيد باﻷحضان و المقل
(^)
كن لي قميصا نظيفا من دم كذب
كن لي سماء بعرض الحلم و اﻷمل.
____
مقهى أفيلا .مكناس . الخميس 28 - 2017

الاثنين، 25 ديسمبر 2017

قراءة نقدية للأستاذ محمد الملواني في ديوان " مرايا همس الوجع " للشاعرة : أسيل الجناتي

قراءة نقدية للأستاذ محمد الملواني
في ديوان " مرايا همس الوجع "
للشاعرة : أسيل الجناتي
أستهل هذه القراءة النقدية بتقديم عام  ثم أتناول عتبتي الغلاف في إطاره العام والعنوان من حيث بنيته ودلالته ثم أعرج على الأغراض الشعرية التي تناولتها الشاعرة أسية الجناتي في ديوانها " مرايا همس الوجع " مبرزا الظواهر الأسلوبية والبلاغية التي استعانت بها لتنسج هذا الوجع الذي يهمس في جوف الديوان مدويا فيخيط تجربة الشاعرة ...
1/ التقديم العام :
يشهد الحقل الثقافي في عصر العولمة ثروة وثورة ابداعيتين في جميع الأجناس الأدبية ، وحسبي أن أركز في هذه القراءة على الشعر وبالخصوص من خلال " مرايا همس الوجع " للشاعرة أسية  الجناتي الملقبة بإحساس القصيد ، واللقب في عرف النحاة هو ما دل على صفة في المسمى ، فعلا الإحساس باعث على النظم ، وقد يتحول هذا النظم إلى سيلان جارف ، فينتج ثمرة طيبة ، وهذه الثمرة الطيبة  هي الديوان الذي أتناوله اليوم قراءة ونقدا . الشعر عند الأقدمين ارتبط بالوزن بمعنى أن يخضع لبحر من بحور الخليل بن أحمد الفراهيدي ، وما يقتضيه البحر من قافية وروي وتصريع ... وهذا ما يصطلح عليه بالنظم ، فهل يعتبر النظم شعرا ؟ لا يمكن أن نعتبر النظم شعرا وقد وصفه بعض النقاد بشعر الصنعة ، إذا فما الشعر ؟ الشعر هو تلك العلاقة التفاعلية بين النظم والمعنى ، وأقصد بالمعنى الصور الشعرية التي تسمو بالعلاقات التركيبية ، فتحولها إلى مؤثر جمالي يخلق وقعا لدى المتلقي ...
لقد عرف العالم مجموعة من التحولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ... والشعر عرف هو الآخر هذه التحولات ، فحدثت ثورة على بنية القصيدة العربية ،
فظهر الشعر الحر والشعر المنثور ... وهذه التجارب لا يمكن أن نتنكر لها ، هي فعلا مظهر من مظاهر الجمال في النصوص الشعرية ، وقد استطاع مجموعة من الشعراء أن يحافظوا على جمالية النص الشعري بعيدا عن البحر والقافية والروي ...والأمثلة في هذا الباب كثيرة .
ومن هنا يمكن أن نقول: إن الشعر هو قدرة الشاعر على أن يستعير معاجم من حقل، فيوظفها في حقل آخر ، ويستلهم مما حوله مظاهر الجمال في الكون .
2/ عتبة الغلاف  من حيث الشكل :
الغلاف من يحث خلفيته يغلب عليه اللون الأزق ، والزرقة دالة على البحر ، ويتصدر الغلاف عنوان الديوان " مرايا همس الوجع "  وضع على واجهة خلفية زرقاء .
كما نجد في الواجهة الأخرى صورة للشاعر بنظارة شمسية سوداء ،تكتشف من خلفها وجع الهوى فيتسرب إلى دمها ، وتستتر من خلفها ذاكرة مشوشة بين الوهم والحقيقة  .
3/ عتبة العنوان :
عنوان الديوان للشاعرة آسية  الجناتي " مرايا همس الوجع " جاء العنوان من حيث بنيته مركبا تركيبا إضافيا ، مرايا : مبتدأ ... ، وهو مضاف ، همس : مضاف إليه ...وهو مضاف ، الوجع مضاف إليه ... إذا الأمر هنا لا يتعلق بتركيب إضافي بسيط ، وإنما هو تركيب إضافي مركب ، وهذه البنية المركبة تحيلنا على الذات المركبة الفاعلة في الديوان تفاعلا وانفعالا ، ولا غرابة أن نتحدث في هذا المجال عن نفسية الشواعر والشعراء ، إنهم يعدون عصرهم وجدانا وحبا وعاطفة ورومانسية وانشغالا بهموم الوطن ...
 والشاعرة أسيل الجناتي لا يمكننا أن نفصلها عن هذا المحيط التفاعلي الذي يخيط من الوجع والهمس قصائد تخلف أثرا طيبا في النفوس ...
4/ الأغراض الشعرية ومظاهر الحداثة :
الشاعرة آسية الجناتي تعدو عصرها ركبت هودج القصيدة لتصرخ مدوية وهي تهمس في كل قصيدة بالوجع حتى تحول الوجع في الديوان  إلى الكلمة المفتاح التي تصب تلك الصورة الجميلة في ينبوع قصائدها بأسلوب سهل سلس لا يكلف القارئ الكثير من العناء ليبلغ عوالم وجع الشاعرة ، فيشاركها همومها ونوائبها وانشغالاتها وآمالها وآلامها ...
وأكاد أجزم أن الماضي يمثل ذلك الينبوع الجارف الذي يعتبر موردا تغرف منه حلمها وحلمها ...إنها تجربة في الحياة كإنسانة وأم وعاشقة ترك الأليف صدأ في ذاكرتها ، فساقت بمقود الأنوثة باخرة الحياة في عباب بحر جارف لا يرحم ، إنه بحر الظلمات ببطشه وظلمه وجوره ...
فالديوان جاء مرآة تعكس هذه التجربة همسا ووجعا .
الحياة تجارب يجب أن نتوقف عندها ،و نعيد الشريط لنقوم ونقيم ونقيس ...
الزمان يتحول وهذا أمر طبعي ، وهذه هي سنة الحياة ، والشاعرة مرآة دواخلها خجلى ، والخجل قيمة إنسانية تحسب للإنسان لا عليه ، وكأن الشاعرة غير راضية عن تجربتها ، أقول: الشعر وجع يدون الأحداث ويستشرف المستقبل، فجاء عند الشاعرة ثورة على الثابت فحولته وأزالت عنه الغبار ، فبدا في حلة جديدة رسمتها أنامل بين أوراقها المبعثرة فوق مكتبها أو على ركبتيها أو أو ... إنها مسودات تجربة عانقت فحولة همس يشدو أنشودة التحول .
فعلا ديوان الشاعرة مظهر من مظاهر التحول في القصيدة العربية على مستوى البناء ، فقد جاء ثورة على القديم فخلخلته وهدمت كل اللبنات ، ولكنها تمسكت بجوهر القصيدة ، تمسكت بالصورة الشعرية ، وتحررت من قيود فتحت لها تجربة الكتابة .
تعلمت أن القواعد لا يمكنها أن تؤثر في الإبداع  ، الأصل في الإبداع عن الحداثيين خروج عن الضوابط ونفور مما تآلفت عليه العامة ، والأصل في التقعيد شيوع الظاهرة ، فعلى المبدع أن يقول وعلى النقاد والباحثين أن يعللوا ، الإبداع  أولا والتقعيد ثانيا ، فلا يمكننا في هذا العصر أن نلوك ما لاكه أسلافنا وإن كان طيبا ، يجدر بنا أن نبحث نحن أيضا عن مصدر الطيب بأسلوبنا حيث هو .
الشاعرة ركبت قاطرة الحداثة وهجرت القيود والأغلال وبحثت عن الحرية أنى وجدت  مظاهر الجمال .
وبالعودة الى ديوان الشاعرة أسيل الجناتي نجده يمثل ويجسد تلك الثورة .
5/ الأغراض الشعرية من خلال التبويب :
أ / مرآة القلب :
تقول الشاعرة في مطلع قصيدة بعنوان " مرايا أنثى " ص 13
أمام مرايا الماضي
أفق لأرى شريط الغياب
كم تغير الوقت .ا
أ كل ما كان محض يباب ؟.ا
مرآة دواخلي خجلى
والعمر غياب في غياب
تقف الشاعرة مستقرئة المرايا ومستنبطة الغياب وتقلبات الزمن حتى تحول العمر غيابا في غياب ، فهي استعملت أسلوب تعجب في صورة استفهام ، والتعجب استعظام فعل فاعل ظاهر المزية لخفاء سره وقلة وجود نظيره ، عظيم أمر هذا الغياب جليل أمر هذا العتاب الغياب الموجع المتصدع في صورة عتاب ، تعاتب اليباب بعظمته وشموخه ، فكيف يتحول إلى فعل من أفعال ما كان .
إنها تجربة الغائب الحاضر الذي يوسوس في أفق شريط الغياب .
ب/ مرآة الروح :
إذا كان القلب عند الشاعرة مصدر القيم فإن الروح جوهر هذه القيم ، فالروح بسطة إلاهية تجسدت في نصوص الديوان عتابا ووجعا واشتياقا وغيابا وحرقة وحنينا ... تقول الشاعرة آسيل الجناتي في قصيدة بعنوان " أيها الحاضر الغائب " ص : 34
من بعيد ألمس حضوره
وإن اقترب أسرف في الغياب .ا
برق هو يسطع سريعا
وينمحي له كل بريق .ا
لماذا يترك في قلبي
كل هذا الحريق ؟
إلى أن تقول :
كيف يسير إلى مقلتي ؟
لم يغب وهو حاضر.ا
وكيف يحضر
وفيه كل أسباب الغياب ؟.ا
يحق للشاعرة أن تستفهم متعجبة ، فكيف يحضر وفيه كل أسباب الغياب ، الإسراف في الغياب موجع ، يكسر البنيات الخبرية ويحولها إلى البحث في ماهية الغياب عنادا .
ج/ مرآة الذاكرة :
الذاكرة في عرف علماء النفس ترتبط بعتبات الهو وألأنا والأنا الأعلى ، فالماضي بتقلباته لا يمكن نسيانه وإنما يطرح في إحدى العتبات يتحين الفرص للتعبير عن نفسه ، وقد استطاعت الشاعرة أن توظفه في شكل أثر فني مقبول لدى الهيئة الاجتماعية .
تقول الشاعرة في قصيدة بعنوان : " اسطع في جفوني " ص: 43
ابحث عنك
في حروف كلماتي
اسمع همسك
في لحظات صمتي
وانين اشتياقي
حنيني اليك يمزق آهاتي
استعملت الشاعرة أسلوبا خبريا تبرز من خلاله  شوقها ، فهي تبحث عن ضالتها بين حروفها، تتلمس مأربها لحظات صمتها ، إنه صمت مدو  يفجر ذلك الأنين ، وسط هذه الزوبعة الذهنية الوجدانية ، تسمع همسه وكأنه أقام قطيعة مع محراب الغياب .
د/ مرآة الومض :
الومض في معجم المعاني الجامع هو اللمعان الخفيف
من فعل ومض يمض مصده : ومض و ومضان ووميض ، ومض البرق إذا لمع لمعانا خفيفا .
وما علاقة الومض بالمرآة ، لعل المرآة لا تستجيب لحاجيات الشاعرة مرآة شحيحة لا تلبي فضولها ، فهي أي المرآة لا تعكس كل الحقيقة بل تجود  بالتبعيض ، والتبعيض جزء من كل .
تقول الشاعرة في باب الومض ص 54
كلما حن القلب ... ولك تذكر
جاءه الصد وللذكرى تنكر
دثرني بوهج الصدق وبحبي تدثر
لا تجعل غيرك في هواي يتستر
حتى الومض لم يسلم من الانفعال حنين وصد ووهج وصدق ووسط هذا التفاعل بعض من التستر ...
ه/ مرآة الوجد :
الوجد في المعجم دال على معنيين الحب والحزن ، ولعل الذاكرة المفروشة في العتبات خردلت الحب وحولته بسبب الغياب الى حزن يؤرق الحاضر .
تقول الشاعرة في قصيدة " اوتار الصدى " ص : 73
حين يسقط الليل في قلبي
يهدأ ضجيج الإحساس
يتمايل الوقت
وتنثال أصداء الوتر
لا السهر يجول في دمي
ولا التوق يغادر غرفة الروح
إذا النهار استيقظ
نام بوحي على سرير الوقت
أهو بوح أو شجو؟ .ا
هواجس تنتابني
تراودني ...
ثم :
يسقط الخطو على خطوي
واذكر ما انقضى من مسافات
وألجأ إلى طيف السنين
+ الظواهر الأسلوبية :
في هذه القصيدة وظفت الشاعرة أجمل الصور  ، فالليل يسقط في القلب ، وكأنه نذير شؤم بسواده وسكونه
وظلمته ،والنهار يستيقظ ليزيل ظلمة الهواجس ، وتذكر ما انقضى من مسافات السنين .
استعانت الشاعرة بمجموعة من الأساليب وأخص بالذكر منها التعجب والاستفهام ، كما وظفت الجمل الإنشائية والخبرية وألبستهما صورا شعرية جميلة
تشفع لها وجع القصيدة ، وهمس المرايا وسط بحر زرقته أليف للشاعرة تغوص فيه تتطهر فتنجب ديوانا بعنوان " مرايا همس الوجع "
ورغم كل هذا وذاك لم يخل الديوان من هم العروبة الأولى ، وهو القضية الفلسطينية ، قصيدة وإن جاءت يتيمة في الديوان بعنوان : " الحجر الفلسطيني " ص 29 فرغم التغول والطغيان والاستبداد فإن إسرائيل لم تستطع كسر إرادة أبناء الشعب الفلسطيني في بحثهم الدؤوب عن الحرية والاستقلال ، الانتصار للحجارة .
بقلم الأستاذ محمد الملواني 


الأحد، 12 نوفمبر 2017

قصيدة بعنوان " أنتن نون نساء تاؤها بسطة " لمحمد الملواني melouani mohamed

قصيدة بعنوان : " يا رشد عقلي طفا " لمحمد الملواني

قصيدة وطنية : " المغرب شهاب " لمحمد الملواني ( melouani mohamed )

الأحد، 9 يوليو 2017

قراءة نقدية للأستاذ الشاعر محمد الملواني في ديوان الشاعرة ربيعة بومهراز " سلاسل الانعتاق .


قراءة نقدية للأستاذ الشاعر محمد الملواني في ديوان الشاعرة ربيعة بومهراز " سلاسل الانعتاق .
ببليوغرافيا الديوان
ديوان شعر منثور للشاعرة ربيعة بومهراز بعنوان " سلاسل الانعتاق" يعتبر باكورة انتاجها الأدبي ، صدرته باهداء لجميع الأصدقاء ، وتقديم للأستاذ الشاعر الزجال سليمان أوملاني اجبارة .
أما بخصوص النصوص التي يتضمنها الديوان بلغت أربعين نصا وضعت لها فهرسا في الذيل .
قراءة في ديوان الشاعرة ربيعة بومهراز يعني محاولة إصدار حكم على هذا الأثر الفني ، وهي مهمة شاقة صعبة تحتاج من الناقد التسلح بالدعامات الضرورية ..
- مفهوم النقد:
نقدتُ الدّراهَم وانتقدتها أخرجتُ منها الزَّيف ،فهذا المعني اللّغوي الأول يشير إلي أنّ المراد بالنقد التمييز بين الجيد والرّديء من الدّراهم والدنانير، وهذا يكون عن خبرة وفهم وموازنة ثمّ حكم سديد.
فالنّقد دراسة الأشياء وتفسيرها وتحليلها وموازنتها بغيرها المشابهة لها أو المقابلة، ثمّ الحكم عليها ببيان قيمتها ودرجتها، يجري هذا في الحّسيات والمعنوّيات وفي العلوم والفنون وفي كلّ شي ء متصّل بالحياة.
والرأي عندي أن النقد هو البحث في مقومات الأثر الفني وإصدار حكم عليه وتصنيفه باعتبار الجودة الرداءة عن طريق الاعتماد على منهج يجنب الباحث إصدار أحكام انطباعية .
وبالرجوع الى ديوان الشاعرة ربيعة بومهراز اعتمدت فيه منهجا تكامليا نجد فيه البنيوي والاجتماعي والنفسي والاستنباطي...
هذه المنهجية تعتمد على الاكتشاف أولا ، والمضمون ثانيا والتحليل ثالثا ، وإصدار حكم رابعا.
1/ البعد الاستكشافي للأثر " سلاسل الانعتاق "
سلاسل الانعتاق ديوان شعر للأستاذة ربيعة بومهراز باكورة أعمالها.
العنوان يتكون من اسمين العلاقة بينهما الإضافة ، والإضافة تنقسم إلى قسمين : إضافة لفظية وإضافة معنوية ، ونوع الإضافة في عنوان الديوان معنوية ، وتفيد هذه الأخيرة " التعريف والتخصيص والتخفيف .
وما يهمني من هذا التركيب الإضافي العلاقة بين المعجمين المتنافرين ، فما علاقة السلاسل بالانعتاق ؟ ، فلا حديث للانعتاق مع السلاسل ،فالسلاسل معجم يرمز الى القيد والسجن وعدم القدرة على فعل الأشياء .....
والانعتاق معجم يعني التحرر من الظلم والطغيان والاستعباد ....
المتصفح العادي عندما يقرأ هذا العنوان قد تصيبه خلخلة أو وشوشة فكرية ...
يتضح أن الشاعرة ربيعة بومهراز استطاعت أن تجمع بين ما لا يجمع ،وهنا تكمن قدرة المبدعة ، فالإبداع لا يعني أن تركب الشاعرة مطية ما يفهم أو ما ألفه القراء وتعودوا عليه ...
فالسلاسل المتحدث عنها في العنوان منتهية الصلاحية ، وبهذا المعنى تتضح العلاقة بين المضاف والمضاف إليه لفظا ومعنى ، ولكن ما الذي جعلني أعتبر هذه السلاسل منتهية الصلاحية ؟ ، الجواب عن هذا السؤال يدفعني إلى العودة إلى أنواع الإضافة ، فالإضافة تنقسم إلى قسمين: إضافة لفظية واضافة معنوية ، والمضاف في الإضافة اللفظية يقبل دخول " ال "عليه ،ويكون مشتقا عاملا معموله ما بعده أي المضاف إليه ،
أما المضاف في الإضافة المعنوية لا يقبل دخول " أل " ولا يكون مشتقا عاملا ، فلا يعمل في ما بعده أي المضاف إليه.
وبهذا المعنى يمكن أن نجمع بين ما لا يجمع ، أي بين السلاسل والانعتاق .
وهذا العنوان يفشي مرحلتين عمريتين ، وإن كانت النساء لا ترغبن في الحديث عن أمور المراحل العمرية ، السلاسل مرحلة عمرية ، والانعتاق مرحلة عمرية أخرى، ويمكني أن أضيف مرحلة ثالثة وهي مرحلة الصراع بين السلال والانعتاق ، فهل يمكن للسلاسل أن تفعل فعلها ؟ لا أعتقد ذلك .
2/ البعد التوجيهي في الأثر :
قرأت الديوان واستقر رأيي على أن يكون المعنى الأساس لمحتويات الديوان :
= الشاعرة ربيعة بومهراز تعيش تجربة صراع بين السلاسل والانعتاق =
تقول الشاعرة ربيعة بومهراز في مقطع من قصيدتها على ظهر الغلاف .
جاوزت صبرك ياوجعي
والوجع ينزف منذ الأزل
قدمت العمر قربانا بلا كفن
حتى غدوت سليبة الروح
فرشت رموشي جسر محبة
والغدر أفقأ عيني ساعة الغضب
من أضلعي صنعت كمانا
عليه أعزف لحن الصبر
حتى غنيت موال الأحزان
ولم أجد في بلاد الوهم أمانا
كتمت الغيظ مبتسمة
حتى نداني القبر في هلع
لماذا استدعيت هذا المقطع الشعري ، حسبي أن أوضح أن الوجع يصبر ، والعمر يقدم قربانا ، والاحزان مواويل ، والغيظ بمسحة الابتسامة ...سمفونية من المعاجم التي استطاعت الشاعرة أن تؤلف في ما بينها ليخضر النص الشعري جمالا يستمد قوته من البناء السديمي.
- البعد الرمزي في النص :
الرمزية اتجاه فني يغلب عليه سيطرة الخيال علي كل ماعداه ، سيطرة تجعل الرمز دلالة أولية علي ألوان المعاني العقلية والمشاعر العاطفية.
طغيان عنصر الخيال من شأنه ألا يسمح للعقل والعاطفة إلا أن يعملا في خدمة الرمز وبواسطته، إذ عوض أن تعبر الشاعرة عن غرضه بالفكرة المباشرة، فإنها تبحث عن الصورة الرامزة التي تشير في النهاية إلى الفكرة أوالعاطفة أو الانشغال ...
الرمز شيء مألوف في تعبير الأنسان وفي طبيعته، فلم يرمز الإنسان قط وهو قادر علي التصريح والتوضيح، ولم يجد كلمة واضحة لمعنى واضح ، ثم آثر عليها الالتواء شغفاً بالالتواء.
فإذا لوحظت هذه الحالة فالرمز أسلوب متفق عليه لايحتاج إلي مدرسة تنبه الأذهان إليه.
ويمكنني أن أجزم على أن الشاعرة ربيعة بومهراز سلكت في كتاباتها الشعرية مذهب البرناسية
البرناسية مذهب أدبي فلسفي لا ديني قام على معارضة الرومانسية من حيث أنها مذهب الذاتية في الشعر، وعرضت عواطفها الخاصة على الناس شعراً ، وهي تهدف إلى جعل الشعر فناً موضوعيًّا همه استخراج الجمال من مظاهر الطبيعة دون الهروب إليها ، وترفض البرناسية التقيد سلفاً بأي عقيدة أو فكر أو أخلاق سابقة ،
بهذا نجد نصوص الشاعرة من حيث البناء جاءت ثورة على ما ألفناه وتعودناه ، وأنت تقرأ لها لا تحس بالامتداد التاريخي لتاريخ الأدب العربي إنه التفرد عند الشاعرة ربيعة بومهراز تفرد في البناء تفرد في الدلالة المعجمية ، إذ نجدها ترقى بالمعجم فتحمله ما لا يحتمل فتنقله بكل سلاسة ورقة ويسر من مجاله الطبيعي إلى مجال آخر فيؤدي وظيفته الرمزية .
2/حمولة الديوان الفكرية والنصية :
ح 1/اعتبار الفن غاية في ذاتيه وأن مهمته الإمتاع فقط لا المنفعة، وإثارة المشاعر وإلهاب الإحساس ليتذوق الإنسان الفن الجيد.
ح2/تحطيم القديم وتدميره لبناء العالم الجديد الخالي من الضياع. . ح3/ تحقيق الإنسان سعادته عن طريق الفن
ح4/ استبعاد المحاكاة في الشعر والفن عامة.
. ح5/ الحياة تقليد للفن وليس العكس
- الأحداث في بعدها الزمكاني:
الزمان حاضر في نصوص الشاعرة بقوة ويمكن تقسيمه إلى قسمين : الليل والنهار. الليل شاهد حي على الظنون ، على الألم ، على الوجع ، ومع ذلك تجعل الشاعرة من الحب آية تداوي النزيف وتضمد الجراح ... بل منارة ضوؤها الفرح ، أحداثها كالحجر في الذاكرة . الآخر في الحب هو الكل هو الموارد هو المواجع هو المواقد هو الحنين هو العذاب ... الحب الحقيقي ثنائيات ليل ونهار ، حنين وعذاب ، وفاء وظنون ...
- دراسة المعاجم والقيم في بعدها الإنساني :
تتداخل المعاجم في ديوان الشاعرة ربيعة بومهراز ، فنجد في صلب نصوصها الزمان والمكان والعاطفة والطبيعة والقيم متفاعلات ومنفعلات في ما بينهن ، كالليل والصبح والمساء والنهار والفجر ، تتراقص بين مد وجزر في فضاءات نصوصها توشح الأسطر بزينة المكان القشيب تارة والمغبر تارة أخرى ، مثل الوسادة والظل والشفاه والدروب والصدر ... وكأن الزمن يتوقف بين الليل والصبح ،هو إمساك يعسر وييسر في تلك العلاقة الثنائية بين ذات الشاعرة
و الآخر ، هناك حيث الغياب والنسيان والشوق والأحلام والحيرة والخوف ... خوف من تلك الشجرة التي تمطر المروج زهرا يزلزل الكيان كإعصار مرعد .
إن الشاعرة تبحث عن الخصب حيث الربيع والأزهار والسنابل المثمرة المشبعة ارتواء بعيدا عن نزيف الجراح والمواجع والقيود والقسوة واللوم ... وتتساءل أين القيم الإنسانية النبيلة: الحب ، الأمل ، الشموخ ، الرفق ، الألفة ، ... ؟
وبالرجوع إلى الأساليب يلاحظ القارئ أنه غني بالجمل الخبرية ، هذه الجمل موشحة بالنداء كما جاء في قول الشاعرة :
- يا موردا للخصب...
- أيتها الياسمينة لا تكوني جبانة
كما نجد الجمل الشرطية ، تقول الشاعرة :
متى غرفت بغيمتك الماطرة تبلل مني الرضاب .
ويحضر التشبيه حين تقول :
- بريق عينيك كالجمر يتموج .
- يلتف حولي ذراعك كالسنابل.
كما ورد أسلوب الاستفهام المنفي إذ تقول الشاعرة :
- أليس الحب أسمى ما في الإنسان ؟
بلى الحب أسمى ما في الإنسان ، ويشترط فيه النبل والخصب والتفاني بدون جبن ، الغرق في العيون شهادة ، الحب نداء وإقبال عمن نناديه .
وتظهر هذه المعاني مجتمعة في نصوص ديوان سلاسل الانعتاق للشاعرة ربيعة بومهراز .
يمكن اعتبار الديوان وحدة موضوعية تطرح فيه الشاعرة همومها ومواجعها وآلامها وآمالها ...وانتظاراتها.
فالعشق قيمة نبيلة لا تتنكر لها رغم الوجع والألم ... يوقظ في النفس لهفة جنون الاشتياق كغابات الزيتون جذورها عطشى تنتظر الغيث ، المزن يدغدغ إحساسها .
تقول الشاعرة ربيعة بومهراز في قصيدتها " درر الثمار " ص : 46 :
من عينيك رشفت الحب
تأججت نار غرامي
لهفتي أيقظت جنوني
عدوت نحو الديار والأشواق تسابقني
وعشق بان مني لست أنكره .
جنون العشق حكاية جسد تنشد التكامل بدون خوف ، فالعاشق الحقيقي ليس زيرا ولا عربيدا يعبث بعيون المعشوق فيتلفها ...
تقول الشاعرة في قصيدتها " حكاية جسد "ص 49:
يا سيدتي لست عربيدا يعبث بعيون النساء
هذا قلبي لقلبك رداء
....
استسلمي لحكاية الجسد.
الحب دلال رغم النوائب ، وصفته الشاعرة بأجمل الأوصاف وأسناها
، جعلته نجمة ترضع من نهد السماء ، فتسقط الأحلام ، فيظهر صولجان الكبرياء مرصعا بالوفاء ، فتتوج المحبوب ملكا على هذا الجسد .
تقول الشاعرة في قصيدتها " حب مغنج " ص : 51 :
فجد بالوصال يا أملي
في غرامك قضيت
أنا الشهيدة
قربك خمري
شدوك كأسي
الزمان عند الشاعرة مطلق تتعاقب فيه الفصول بحس طبيعي ، هو التحول كتحول رحلتي الشتاء والصيف ، وما يعقب هذه التحولات من موت وإحياء ، وكأن الحب جلسة انكسار في ساعة احتضار تعقبها الحياة ...
تقول الشاعرة في قصيدتها " جلسة انكسار " ص : 59 :
تتعاقب الفصول
تنطلق رحلة الشتاء والصيف
بعد الربيع يأتي الخريف
تتساقط الأوراق في مهاوي الريح
تغبر الأرض كوجه فارس جريح
في جلسة انكسار
في جلسة احتضار.
حب بطعم رصيف الموت ناحت المحبرة ، وتكسر القلم . صورة جميلة لوحة أحزان تشكيلية ، فهي المرأة الشاعرة البدوية الريفية عزيزة النفس ، صوتها يزغرد للحرية ، بئس هذا الحب الذي يكسر الأقلام . إنه الصراع القوي بين الذات والقلم ،تفجر في صورة تقبلها الهيئة الاجتماعية ، وهي تنثر الابتسامة على الشفاه رغم أنه جسد متصدع كسر عظامها الزمكان ، فغاب اللب وارتخت المفاصل ، واعتصرها الحنين حتى تبللت وسادتها ، ومع ذلك تصرخ متفجعة ومتوجعة : " إنها لم تغن كل الألحان "
ونجد الشاعرة آخت بين المتناقضات وكأنها طباق بين العقل والقلب توأمت بينهما .
تقول الشاعرة ربيعة بومهراز في قصيدتها " ضفاف الدموع " ص: 72:
سلام على الحبيب
وللحبيب سلام
تربع في الفؤاد
أخذ الروح بغلافها
هو الحزن هو اللائم
هو الصبور الغاضب
هو الطبيب هو القاتل
هو البعيد القريب
كبير على أن أنساه.
الضمير المنفصل حاضر بقوة " أنا " "أنت " وفي بعض الأحيان "هو" فتجعله غائبا غضبة منها على الآخر ... ومن هنا تتشكل القصيدة ، تقول الشاعرة في قصيدة " شمس زماني "ص : 78 :
أنا وأنت والقصيدة المجنونة
والقوافي والمعاني
لم أعلم قبلك أن الفرح رجل .
الضمائر المنفصلة مصدر القصائد ، وهن الباعث على الكتابة، فلا كتابة دون أن تتحلل هذه الضمائر كتعويم العملة في البورصة .
للشهادة رمزية في عرف الشاعرة ربيعة بومهراز تفدي الضمير المنفصل " أنت " والباحث في مفردات النص يلاحظ أن كلمة " الموت" تكررت خمس مرات ، هذا الموت المتوالي ما هو إلا بحث عن الفرح والابتسامة بحث عن حياة فضلى ، إنها ثنائية الوجود : أنا و أنت وهمس الليل وذلك الشعاع الذي يعانق الوسادة فتورق البساتين على ضفاف حلم الأمنيات مستقوية بعكاز الصبر .
وأقول للشاعرة ربيعة بومهراز لكل منا عكازه ... وأنت تتكئين على عكاز الصبر استطعت في زحمة الإكراهات أن تبدعي وتطربي القراء بلغة سلسة ، وأن تحدثي ثورة في البناء ... فجاءت نصوصك من البلاغة بمكان ، حسن الكلام وجمال المعنى .
الأستاذ الشاعر والناقد محمد الملواني

الجمعة، 2 يونيو 2017

قصيدة للأستاذ محمد الملواني مطلعها " يا قريضا ما راعني في هواك


يا قريضا ما راعني في هـــــواك
بيت شعر بل تفعلات لــــــــــواك
*******************
أنشد استجداء  حبيبا بــــــأرض
ما نسجت التصريع إلا عـــــلاك
*******************
مصطفى أنت الخير في نائبــات
نرتجي نصرا بعد ضيم حمــــاك
*******************
يحتمي خلق عند شعب ضعــافا
أنت ناصر، يعلوك شفع حبــاك
*******************
ما تغاضيت اليوم عن مستنـــير
بات مهووسا من خليل شفـــاك
*******************
تشرئب الأعناق من فرط حــب
سيفك الوضاء الذي ارتضـــاك
*******************
يستبيح الخيرات مرباعا ومضا
نوره الهادي مرفأ ملتقــــــــاك
*******************
يوم ينسى خل خليلا قيـــــــاما 
يا شفيعا أنت الهدى ما عصاك
*******************
في طريقي ترتج يمناي خــوفا
أحتمي بالحامي فمن ذا سواك
*******************
باع خلق منا ، فباتوا حيــارى
دينهم فاكتالوا صوانا عـــداك

نظم الأستاذ محمد الملواني

من المجموعة القصصية "مجرد سؤال " وردة للأستاذة رشيدة القدميري



 من قلبِ الحدَث سقطت قذيفة آه أحالت العمر دُخانا، حين سألها المقعدُ الفارغ بشرفتها، عن عُقم الهمس في رحم ليلها، عن امتدادِ الأرق في مُقلتها، عن هلعِ الوقت من يومها، عن قلبٍ مُوصد حزين اشتاق، أن يُطرق ولَو عن طريق الخطإ، عن دمعة تَحجرت في عينها فتعثرت بها باقي الدمعات، عن صقيع يلبسُ الجدران فتتجمَّدُ عليها صورها، عن صوتها المخنوق في حلقها، عن ابتسامتها الحزينة الغارقة في رسم ثَغْر جديد على مرآتها، عن ياسمينتها التي ذبُلت، وما عادت تقوى على مُداعَبة الندى على خدِّ أمسياتها، عن يد خفية قطعَتْ حبال الوصال بينها وبين روحها، وما عادت تُهديها وردة حمراء، عطرها بقايا ذكريات طفولة حُرمت منها، عن جسر الانتظار المنكسرِ في قاع فنجان قهوتها الباردة، عن حبات الصبر المنثورة ملحا على جراحاتها، عن لحظات هاربة منها إلى حيثُ لا تدري، عن ظلها الذي خانَها واختفَى فجأة دُون سابق إنذار مَع أن العمر في منتصف النهار من وجعه يبكي...
مُجرد أسئلة سقطت سهوا من دفاتر"وردة"، التقطها الليل البهيمُ في ساعة متأخرة ليُزيِّن بها قُبح سواده الذي لا ينتهي... علامات استفهام أمطرت وجعاً على صفحة ليلها... فأزهرت أرقا وحزنا... أدمنها الألم، فأدمنت هي الصمت والصبر والتغابي...
"ما بغيتوش..."
صرخة كتمتها منذُ ليلة زفافها، لكنها كانت خير مسكن لحالتها...
"ما بغيتوش ..." تُردّدُها بينها وبين نفسها، في ليلها ونهارها...
 قبلَ أربع سنوات... عادَتْ وردة من المدرسة، أخذُوا منها محفظتها، وعلى أنغام زغاريد أهل الحيِّ سلموها عُدَّة الطبخ والكنس والغسيل في بيت رجل غريب... نسبوها إليه دُون علم مُسبق منها ليُصبح "زوجها"..."هاء " ابتلعت طفولتها، أغرقتها في بحر حُزن، وأدخلتها مجتمع الكبار دون تأشيرة من عمرها...
مجرد صفقة، أحرقت بسمةَ وردة، وأذابت بهجة عطرها في ليل طال أنينه ويوم ضاق صبره...
 اختار لها والدها عريسا بعيدا كل البعد عن ذلك الفارسِ الوسيم الذي رسمتهُ أناملها ذات حلم ورديٍّ، دون أن يكون لها حقُّ الرفض. رجل على ناصية العمر بعيد عن عالمها الصغير الباسم بُعد الفرحِ عن حياتها، يحكمُ عليها صباحا بأشقِّ الأعمال، و يَسجنها مساء في غرفة النوم... يُشبعها لكمًا كلما تعذَّرت عليه معاشرتها دون أن تعرفُ سبب علَّته، و كأنما يريدُ بذلك العنف أن يحفظ بقيَّةَ صورة رجلٍ خانته ذُكورته، في مجتمع يجعلُ الرجولة مرادفا للذكورة.
 حاولت البوح لوالدتها بما تُّعانيه، متوسِّمة كل الخير في قلب الأم الذي سيحملُ بما فُطرت عليه قلوب الأمهات بعضا من ثقل ينوءُ به قلبها. انتفضت الأمُّ نادبة خدها، عاضَّة على شفتيها، مكممة فم ابنتها كَيْ لا تَمضي في قولِ مُنكر:
 "سكتي ... ما عرفتك أبنتي لمن شبهتي؟ هاذ شي عيب وحشومة وما كنهدروش فيه... الراجل ما كيعيبو... غير جيبو... نوضي لكوزينتك ... وجدي لراجلك ما ياكل... واحمدي الله... " وجَيْبُ سيدنا الفاضل لم يكن به عيب...
 صمتت وردة مستسلمة لعُرف مجتمعي يمنحُ الحصانة للرجل مادام جيبُهُ يرنّ بالدراهم، حتى و إن كان على حساب بناته. مجتمع يحكمُ بالظاهر والمظاهر، يقدِّرُ السعادة بمساحة البيت و ثقل الجواهر و قيمة اللباس، و عددُ الأصفار في رصيد البنك حتى و إن كانت الحياة فعليا صفرا، مجتمعٌ يدفنُ قصص الأحزان تحت أسرة النوم، و يسترُ حكايات الأسى بين جدران البيوت.
 ميتة و إن كانت على قَيْدِ حياة، لا تخرجُ من بيت زوجها إلاَّ مرافقة لحماتها، و لا تحظى بزيارة أمها إلا في المناسبات. سنوات من المعاناة جعلت وردة تُسرِّعُ مسلسل ذُبولها حين اختارت الموت، حين فضلت الانتحار مرة واحدة على أن تُنحرَ في اليوم عشرات المرات... استعملت السُّم في الشاي الذي أعدَّته لها ولأختها الصغرى،حين زارتها، لتُجنِّبها مسلسلَ الرعب الذي عاشته والذي كان ـ لا محالة ـ ينتظر الصغيرة بكل حلقاته المشوقة حدَّ الشجن... تاركة وراءها أفواها تنهشُ جسدها حية و ميتة، وسطَ وسطٍ يُقدمُ بناته قربانا لسادة المال، و لسدنة معابد المُتعة الحلال.
 رحلت وردة مخلفةً وراءها تربة تعجّ بالوردات، و سؤال السّقيا الذي يؤرقُ كل برعم أنثوي أينعَ في أرض لم يخترها، لا فرقَ بينه و بين باقي البراعم سوى أن هذا أسعدتْهُ الجغرافيا، و هذا أشقتْهُ.
 تُرى كم يلزمنا من وقت لنستوعبَ أن بعض التقاليد والعادات تقتلُ أجمل ما فينا و قد تدمرُ حياتنا ومستقبل أبنائنا؟
"مُجَرَّدُ سُؤال"
رشيدة القدميري
"مجرد سؤال"
الصادرة في ماي  2016